يوشك أن ينتحر

الكاتب: المدير -
يوشك أن ينتحر
"يوشك أن ينتحر

 

تمرُّ بالإنسان حالات مختلفة، تتباين صعودًا وهبوطًا، قد يُفهَم بعضها ويُجهَل الآخر، ففي حالة ضعفٍ وخورٍ شديدين يتنامى شعورٌ عند بشرٍ ما بأنَّ الأُفقَ مسدودٌ، وأنَّ المستقبلَ مجهولٌ، وليستْ هناك أية قيمةٍ لهذه الحياة، فلا يرى بُدًّا من إزهاقِ روحه وإتلافِ نفسه، ووَضْع حدٍّ للأزمات التي تعصف به بين الفينة والأخرى!

 

إنَّ قرار الانتحار هو لحظةٌ واحدة، ورأيٌ واحد، ومنهجٌ واحد، إنها نقطةٌ في آخر السَّطر، إنها نقطة النِّهاية، فلو عشنا هذه الحالة المُتردِّية وكيف وصل صاحبها لهذا القرار؛ لوجدنا أنَّ غياب التربية الإيمانيَّة وضَعْف القدوة الصَّالحة والعُزلة، والابتعاد عن مجالس القرآن الكريم، وحِلَق الذكر، وعدم المحافظة على الأذكار والأوراد الشرعيَّة هي مِن أهمِّ الأسباب المُؤدِّية إلى هذه الجريمة الخطيرة.

 

لَمَّا يئس من كلِّ شيء، وأُحبط أن يُنجز أي شيء، عزَم أن ينتحر؛ فأعدَّ لذلك العُدَّة، وتوارى عن الأصحاب، ليستفرد بنفسه، فأقبل على جُرمه، ولله في خَلْقه شؤون، لقد أعتلى المنصَّة فتجاذبته الذِّكريات، فتوقَّف هُنيهة ليرى ويسمع، ويحس ويلمس أمورًا متنوعة، فقد رأى أمَّه الرؤوم، تبكي دمًا بدل الدَّمع، حينما ألمَّ به مرض عابر، فكيف بها لو رأتْهُ مقتولًا أمامها؟! ستنهار حينئذٍ تمامًا!

 

وقد سمع صوت أبيه الشَّجيِّ النَّديِّ، الذي يخترق آذان الزَّمان، بتلاوة آي القرآن؛ منها قوله تعالى: ? قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ? [الزمر: 53].

وأحسَّ بلمساتٍ حانيةٍ من جدَّته التي ضمَّته إلى صدرها الدافئ، فغمرته بالحبِّ والحنان، ولمس أثر قبلة جدِّه على جبينه، والتي ملأتْ قلبه وعقله وجسده روحًا ورحمةً.

 

أُوشِك أن أنتحر بعد الخلافات الزوجيَّة المريرة!

أوشِك أن أنتحر بعد تزايد طلبات الأولاد وعدم القدرة على تلبيتها!

أُوشك أن أنتحر بعد العوز والفاقة وضيقِ الحال!

أوشك أن أنتحر بعد فقد الرَّفيق والصَّاحب والصَّديق!

أوشك أن أنتحر بعد الفشل المُتكرِّر في الدِّراسة، وعدم حصولي على مُؤهَّلات وشهادات!

أوشك أن أنتحر بسبب إدماني للدخان والشِّيشة، وبعدها الكحول والمخدِّرات!

أوشك أن أنتحر بسبب عزلتي وعيشي في العالم الافتراضي، وإهمالي للتَّفاعل مع الأفراد والمجتمعات!

خُيِّل لي أنني أوشكت على الانتحار لعدَّة أسباب، ولكنِّي كنتُ على خطأٍ عظيمٍ وخلَلٍ بَيِّن!

أوشكت على الانتحار، ولكنَّ الله سلَّم!

الحمد لله الذي أنقذني، وبيَّن لي خطَر الانتحار والاندثار، ووفَّقني لفضل التَّأثير والانتشار، وسدَّد خُطاي بالتَّقوى والعزيمة والإصرار!

 

فيا أخي ويا أختي، هذا نداءٌ لكلِّ مسلمٍ يحترم عقله، ويعرف هدفه أنَّه مهما كانت المشكلات عويصة والملمات خانقة، فإنَّ لها عدَّة حلول حينما نؤمن بالله سبحانه وتعالى أولًا ثم نقلب أغلب زوايا المعضلة، فلنستبشر خيرًا ولنتمتَّع بالحياة، ولنعشْ بالإيمان والعمل الصَّالح؛ قال تعالى: ? مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ? [النحل: 97].

 

وختامًا، هكذا توقَّفتُ عن فعلتي الشَّنيعة، وقطعتُ حبائل اليأسِ والقنوط، واستمسكتُ بحبلِ الله المتين، فاستنشقتُ نسائم الأملِ والتفاؤلِ فعادت لي الحياة.


"
شارك المقالة:
93 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook