تأبط حمقا

الكاتب: المدير -
تأبط حمقا
"تأبط حُمقًا



 

بدأ هوايتَه منذ نُعُومة أظفاره؛ حيث كان يُمارِس (التفحيط) على الدرَّاجة ‏التي اشترَتْها له جَدَّتُه ليتدرَّب بها على المشيِ، وتقدَّم به العمرُ وأصبح في سنِّ المراهقة، إلا أن هوايتَه لم تتغيَّر، كان الفرقُ - وهو في هذه المرحلة من عمره المبكِّرِ - أنه استبدلَ بالدراجةِ السيارةَ، واستبدل بفناء المنزلِ الشارعَ.

 

وبدأَتْ تظهَرُ شجاعتُه في هذا الفناء الجديد على كلِّ مَن تُسوِّل له نفسُه أن يمنعَه مِن استعراض عضلاته وهو يُمارِس هوايته الخَطِرة (التفحيط)، والويلُ كل الويل لمَن يُضايِقُه في الشارع أو يعترض، وكان لا يرى أيَّ غضاضة في أن يتحدَّث عن عَنْتريَّاته، ويستعرض بطولاته أمام الجميع، وخاصة مع أولئك المعترضين غيرِ الراضين عن سلوكه.

 

وتجاوز سنَّ المراهقة، وتبعًا لذلك فقد تجاوَز مرحلةَ السيارة والشارع، ولكن عقلَه لم يتجاوز ‏أي مرحلة؛ حيث ظلَّ في المربَّع الأول، فقد كان وفيًّا لهوايتِه الأولى، ولم ينقطَعْ عن ممارستِها، ولكنه الآن استبدل بالسيارة عقلَه الفارغ من العلم، واستبدل بالشارع مُشكلاتِ المجتمع ‏وقضاياه، وكانت مصادرُه ومراجعُه هي وسائلَ التواصل الاجتماعي، وقِبْلته الإعلام، أما حَلقات العلم عنده، فأصبَحَتِ المجالس العامَّة.

 

تجده دائمًا سابحًا في عالَمِه الافتراضي والواقعيِّ، يُرعد ويُزبِد، ويرفع عَقِيرته في أي نقاش، فلا سمت عنده ولا وقار، يخوض في القضايا العامة وهو لا يعرف ‏من العلم إلا اسمَه، ولا من الفكر إلا رسمه، جهلُه مُركَّب فهو جاهل ولا يدري أنه جاهل، يُصدِر الأحكام ويُصنِّف الناس ويُخطِّئهم ويُصوِّبُهم، يكاد يُهلِك نفسه في سبيلِ ذلك وهو لا يشعر، ‏فلا علمًا طلب، ولا مجدًا بنَى، ولا بأدبٍ تخلَّق، ولا بعبادةٍ انشغل، ولا للدعوةِ سعى، ولا عن الفتنةِ أعرَضَ، فلا دينًا أبقى، ولا دنيا أصلَح.

 

يا هذا، هداك الله، لقد ارتقيتَ مُرتقًى صعبًا لستَ له بأهل، فانزِلْ منه إنِّي لك من الناصحين.

يا رعاك الله، بالله ‏لو أعطيتُك قلمًا لتكتبَ سِيرتَك الذاتية، فما عساك كاتبًا؟


"
شارك المقالة:
90 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook