بين عجوزين

الكاتب: المدير -
بين عجوزين
"بين عجوزين

 

سبحان من قسَّم الأرزاق، وأعطى كلَّ مخلوقٍ قَسْمَه في القوت وسائر الموهوبات! سبحان من قسم لكل إنسانٍ عقله! وبه يتمتَّع في هذه الحياة ويسير، وعليه مدار التصرُّف، وجوهر التكليف والتفكير، وعلى هذا نرى اختلاف الناس في سلوكهم وهمومهم، وطريقة عيشهم وقناعاتهم، واتجاهاتهم، وكل ما يتعلَّق بحياتهم الحاضرة والغيبيَّة، ويترتَّب على هذا الأمر تعاملاتُهم فيما بينهم، ونظرتهم للحياة، وتعاملهم مع كل ما فيها، ومن فيها، وما يتعلَّق بها أو بهم، وما أبلَغَ التعبير النبويَّ الكريم! على صاحبه أفضلُ الصلاة وأتمُّ التسليم: ((كلُّ الناس يغدو، فبائعٌ نفسه؛ فمعتقها، أو موبقها)).




تتذكَّر هذه الإشارة حينما ترى جموع الناس وأشتاتهم في سعي ودأبٍ، كلٌّ له همُّه واهتمامه وغايته، وشغله وتفكيره، تتذكَّر ذلك خاصَّةً في وقت الصباح حين انتشار الناس إلى أعمالهم ومقاصدهم، تمتلئ بهم الطرقات، وتتشتَّت بهم السُّبُل، ويسعى كلُّ واحدٍ لهدفه، وما يريد الوصول إليه، ها هو يغدو كما يغدو غيره، ويبيع نفسه لمقصده كما يبيع الآخر، ويبذل جهدًا كما يبذل سواه، ولكن الفرق هو في كيفيَّة الغدوِّ، وماهيَّة البيع، ومن ثم النتيجة: هل هي العتق والنجاح، أم الوَبَقُ والخسارة؟




يتجلَّى هذا المعنى في قوله تعالى: ? إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ? [الليل: 4 -10]، الكل يسعى، والسعي شتَّى، والنتيجة مترتِّبة بحسب السعي وطريقه ومنهجه.




وما أعجب أن ترى مُفارقات الحياة، واختلاف سعي الناس؛ نتيجةً لمعتقداتهم وقناعاتهم؛ حتى ترى النقائض والغرائب، ولا شيء في هذه الحياة غريب!

يحدِّثني صديقي ونحن في طريقنا لصلاة الفجر في أحد مساجد المجمَّعات السكنية في إسطنبول، يقول: هناك عجوز تحضر معنا صلاة الفجر في المسجد، وحينما نخرج من الصلاة نرى أحيانًا عجوزًا أخرى تمشي ومعها كلبها، يسيران في الحديقة في ذلك الوقت؛ إذْ يحرص أصحاب الكلاب على راحة كلابهم ونزهتها، إضافةً إلى السير معها لقضاء حاجتها ورياضتها وهكذا.




ألا ترى بُعدَ ما بين العجوزين في كلِّ شيءٍ تقريبًا، وفي أهمِّ شيءٍ أيضًا؛ في المنهج المنوط بجوهر التكليف لدى الإنسان، الذي إذا فقد بُوصلته، فقد الهداية في كل الاتجاهات والمجالات؛ حتى يصبح همُّه وتفكيره مرتبطين جدًّا بمن يسوقه ويُصاحبه، وإذا كان المرء يتأثَّر بالبيئة والصُّحبة؛ فكيف إذا كان الكلب هو الصاحب داخل البيت وخارجه، وفي كل الأوقات؟ بل يصل عند هؤلاء إلى درجة السيِّد في الخدمة والحرص، وتوفير وسائل الراحة، وإذا كان ذلك كذلك، فلا غرابة أن نرى انشغال ذاك أو تيك بكلابهم في كل الأوقات، وهل يمكن أن يرى هؤلاء فرْقًا بين الأوقات، وفضلَ بعضِها على بعض؟! وهل هناك أصلًا فضلٌ إلا لصاحب جلالتهم ومخدومهم؟!




عجوزنا منشغلةُ البال مع الرحمن، يُحفِّزها ما تجده في قلبها إلى الوقوف بين يديه ومناجاته، وعجوزُهم هجرتْ كتلك فراشها، وآثرتْ أن تخرُج وقت الحرِّ أو القرِّ في سبيل كماليات كلب، ألا نجد في هذا الموقف فرقًا عجيبًا يُبيِّن لنا مقدارَ فضل موقف الأُولى، وضلال موقف الثانية؟!




كم يحمد اللهَ الإنسان المسلم السويُّ على نعمة العقل والعافية والعقيدة! وكم يجب أن يستشعر كلُّ فردٍ منَّا هذه النعم الجليلة! ويسأل الله دائمًا الثبات والتوفيق، والهداية والانشغال بما يحبُّه ويرضاه.


"
شارك المقالة:
103 مشاهدة
هل أعجبك المقال
0
0

مواضيع ذات محتوي مطابق

التصنيفات تصفح المواضيع دليل شركات العالم
youtubbe twitter linkden facebook